عبد الملك الجويني
10
الشامل في أصول الدين
بوجوه من الدلالة فيبعد أن يغفل عن جميعها ، فإن قدرت غفلته عن بعضها قام بذكر بعضها مقام المغفول عنه . ومن اتخذ دليلا وكثرت غفلاته وغلبته سهواته ، فبالحري أن يذهل عن الوجه الواحد . فإن قال قائل : قد بينتم أن العلوم لا تتفاضل في حقائقها ، فما قولكم في النظر ؟ هل يجوز أن يتفاضل وينقسم إلى الجليّ والخفيّ ؟ قلنا : هذا ما لا محصول له إذ النظر لا تباين فيه ، إنما هو طلب وبحث ، فكيف يتفاضل في البيان ما يضاده البيان ! وقد قدمنا أن النظر يضاده العلم في حال وجوده ، فلا يتصور أن يكون عالما بالشيء طالبا العلم به . فإذا استبان أن النظر لا تباين فيه وإنما هو طلب بيان ، فكيف يتصور نظرا بين من نظر ؟ وتفاضل شيئين يضادهما البيان في البيان كتفاضل شيئين يضادهما الخفاء في الخفاء على ما قدمناه في العلمين فافهموه أرشدكم اللّه . فإن قال قائل : فنحن نرى ناظرا يتسرع إلى درك مقصده ، ونرى آخر لا ينال غرضه إلا بأقصى جهده . قلنا : إنما ذلك لأمر ، وهو أن السبر « 1 » قد يعسر في الأحايين ، وقد تضل قريحة « 2 » الفطن ، وتبدر طبيعة البليد إلى نيل الصواب وذلك غير نكر في مستقر العادات . فإن قيل : فقد شحن المحققون مصنفاتهم بالنظر الجليّ والدقيق ، فما أرادوا بذلك ؟ قلنا : مرادهم بذلك أن النظر إذا كان يستند إلى الضروري برتبة فهو الجليّ ، وإذا كان يستند إلى الضروري برتبتين فهو أخفى مما سبق في اطلاقهم ، وليس المعنى بذلك كون نظر أخفى من نظر . ولكن المراد به أن الذي يشتغل بنظر واحد أقل فكرا من الذي يتعلق بنظرين ويشتغل بفكرتين . فهذا وجه تفاضل النظر ، وإلا فلا يتصور في النظر واحد أجلى من نظر . وضرب المحققون لذلك مثالا وقالوا : سبيل الناظر سبيل الماشي العادم أمر مقصده . فإن قصرت المعرفة قلّ الكد ، وقصر الجهد ، وإن طالت ازداد الجهد ولا يفضل مشى مشيا مع استواء الصفة والمسافة .
--> ( 1 ) السبر : قياس غور الجرح وغيره ، والهيئة الحسنة . ( 2 ) القريحة : طبيعة الإنسان التي جبل عليها ، وملكة يستطيع بها الإنسان ابتداع الكلام وإبداء الرأي ( مو ) ( ج ) قرائح .